ابن عطية الأندلسي

262

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

من أن الآية مثل في جماع النساء فبعيد مغير نمط الكلام ، وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي ونافع بخلاف عنه « البيوت » بكسر الباء ، وقرأ بعض القراء « ولكنّ البرّ » بتشديد نون « لكنّ » ونصب « البرّ » ، وقد تقدم القول على مَنْ في قوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [ البقرة : 177 ] ، وَاتَّقُوا معناه اجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية ، و لَعَلَّكُمْ ترجّ في حق البشر ، والفلاح درك البغية . وقوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية ، هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال . قال ابن زيد والربيع : معناها قاتلوا من قاتلكم وكفوا عمن كف عنكم ، ولا تعتدوا في قتال من لم يقاتلوكم ، وهذه الموادعة منسوخة بآية براءة ، وبقوله : قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] . وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد : معنى الآية قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلكم ، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم ، فهي محكمة على هذا القول ، وقال قوم : المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه اللّه كالحمية وكسب الذكر . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 191 إلى 194 ] وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 194 ) قال ابن إسحاق وغيره : نزلت هذه الآيات في شأن عمرو بن الحضرمي وواقد ، وهي سرية عبد اللّه بن جحش ، و ثَقِفْتُمُوهُمْ معناه أحكمتم غلبهم ولقيتموهم قادرين عليهم ، يقال رجل ثقف لقف إذا كان محكما لما يتناوله من الأمور ، وَأَخْرِجُوهُمْ . قال الطبري : « الخطاب للمهاجرين ، والضمير لكفار قريش » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : بل الخطاب لجميع المؤمنين ، ويقال أَخْرَجُوكُمْ إذا أخرجوا بعضهم الأجل قدرا وهم النبي صلى اللّه عليه وسلم والمهاجرون ، وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموكم بها على الرجوع إلى الكفر أشد من القتل . قال مجاهد : « أي من أن يقتل المؤمن ، فالقتل أخف عليه من الفتنة » . قال غيره : بل المعنى الفتنة التي فعلوا أشد في هتك حرمات الحق من القتل الذي أبيح لكم أيها المؤمنون أن توقعوه بهم ، ويحتمل أن يكون المعنى والفتنة أي الكفر والضلال الذي هم فيه أشد في الحرم وأعظم جرما من القتل الذي عيروكم به في شأن ابن الحضرمي .